الشيخ محمد هادي معرفة
504
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ثالثا : أنّى للبيد أن يستحوذ على عقليّة مثل الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وهو مثال العقل الأوّل في عالم الإمكان . إذن فلا يصحّ ما ورد في ذلك من تأثير السحر على عقله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يثبت شيء من ذلك من طرق أهل البيت عليهم السلام . أمّا الوارد في جامع البخاريّ ( ج 7 ، ص 178 ) وفتح الباري ( ج 10 ، ص 193 ) وصحيح مسلم ( ج 7 ، ص 14 ) فمردود على قائله ، وهو من المفتعلات « 1 » . رأي صاحب المنار في الجنّ يرى السيّد رشيد رضا ما يراه شيخه وأُستاذه في الجنّ ، وأنّه لا يُرى ، وكلّ من ادّعى رؤية الجنّ فهو مخطئ في إدراكه ، ولم يصحّ في ذلك حديث . ويرجّح أنّ من ادّعى رؤية الجنّ فذلك وهم منه وتخيّل ، ولا حقيقة له في الخارج ، أو لعلّه رأى حيوانا غريبا كبعض القردة ، فظنّه أحد أفراد الجنّ ، يقول هذا ثمّ يعرض في الهامش لذكر حديث أبي هريرة فيمن كان يسرق تمر الصدقة ، وإخبار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له بأنّه شيطان - وهو في البخاريّ - ولغيره من الأحاديث التي تدلّ على أنّ الإنسان يرى الجنّيّ ويبصره ، ثمّ يقول بعد أن يفرغ من سرده للروايات : والصواب أنّه ليس في هذه الروايات كلّها حديث صحيح « 2 » . بل ونجده يزيد على ذلك فيجوّز أن تكون ميكروبات الأمراض نوعا من الجنّ ؛ وذلك حيث يقول عندما تعرّض لتفسير قوله تعالى في الآية ( 275 ) من سورة البقرة : « الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » : « والمتكلّمون يقولون : إنّ الجنّ أجسام حيّة خفيّة لا تُرى . وقد قلنا في المنار غير مرّةٍ : إنّه يصحّ أن يقال : إنّ الأجسام الحيّة الخفيّة التي عُرفت في هذا العصر بواسطة النظّارات المكبّرة وتُسمّى بالمكروبات ، يصحّ أن تكون نوعا من الجنّ ، وقد ثبت أنّها علل لأكثر الأمراض » . « 3 »
--> ( 1 ) - . تكلّمنا عن ذلك في التمهيد ج 1 ، ص 191 - 196 عند الكلام عن سورتي المعوّذتين . ( 2 ) - . المنار ، ج 7 ، ص 516 التفسير والمفسّرون ، ج 2 ، ص 584 . ( 3 ) - . المنار ، ج 3 ، ص 96 .